
التسويق الرقمي ومستقبل الأسر المنتجة في المملكة العربية السعودية
يشهد الهيكل الاقتصادي في المدينة المنورة تحولات هيكلية عميقة مدفوعة بثورة الاتصالات والتحول الرقمي المتسارع. فقد مثّلت "الأسر المنتجة" لعقود طويلة شرياناً حيوياً للاقتصاد المحلي، ومخزناً أميناً للحفاظ على الهوية التراثية والصناعات اليدوية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بذاكرة المدينة المنورة وزوارها، غير أن المشهد التجاري الراهن لم يعد يعترف بالأسواق التقليدية أو "البسطات" اليدوية كقناة بيع وحيدة أو حتى رئيسية.
فرضت التكنولوجيا واقعاً جديداً تحولت فيه المتاجر إلى منصات افتراضية، والزبائن إلى مستخدمين خلف الشاشات، وأصبح "التسويق الرقمي" هو المحرك الفعلي للمبيعات. هذا الانتقال المفاجئ والسريع خلق فجوة عميقة، أو ما يمكن تسميته بـ "الأمية الرقمية التجارية"، لدى شريحة واسعة من الأسر المنتجة. تجد هذه الأسر نفسها أمام مفترق طرق حاسم: إما مواكبة هذا الإيقاع التقني المعقد لضمان البقاء والنمو، أو التمسك بالأساليب التقليدية ومواجهة خطر الخروج التدريجي من السوق.
تحلل الدكتورة روعة صالح بري، الأكاديمية ورئيسة جمعية بصمة للأسر المنتجة، هذا المشهد بقولها: "الأسر المنتجة تجد نفسها اليوم في مواجهة حتمية مع التكنولوجيا، فالانتقال إلى العالم الرقمي أحدث صدمة هيكلية؛ لأن المهارات التي كانت تضمن نجاح الأسرة في الأسواق التقليدية لم تعد كافية اليوم لإقناع مستهلك يبحث عن الاحترافية البصرية وسرعة الاستجابة عبر المتاجر الإلكترونية. تشير التقديرات الميدانية إلى أن نحو 60–80% من الأسر تفتقر لمستوى كافٍ في مهارة رقمية واحدة على الأقل، فيما تتراوح نسبة الفجوة في مهارات حاسمة مثل تسعير الشحن وخدمة العملاء الافتراضية ما بين 45% إلى 50%."
توضح الأستاذة فضيلة ريحان، المختصة في شؤون الأسر المنتجة والعمل الاجتماعي: "معظم مشاريع الأسر المنتجة، وبنسبة تتراوح بين 55–70%، تُدار من قِبَل سيدات فوق سن الأربعين أو أفراد يفتقرون للتعليم التقني المتقدم، مما يخلق فجوة أجيال حقيقية بينهم وبين الأدوات الرقمية الحديثة، ويجعلهم عرضة للاستغلال أو الإحباط السريع عند محاولة دخول سوق التجارة الإلكترونية بمفردهم."
يفسر د. أيمن شربيني، مستشار التسويق وتنمية الأعمال، هذه الإشكالية بوضوح: "التسويق الرقمي علم دقيق يعتمد على تحليل البيانات وفهم سلوك المستهلك الافتراضي. الأسر المنتجة تتعامل مع المنصات بأسلوب عشوائي يعتمد على النشر غير الموجه، مما يؤدي إلى هدر ميزانياتهم البسيطة دون تحقيق معدلات تحويل حقيقية. معدلات التحويل الإعلاني عند الاستهداف العشوائي تنخفض لتصل إلى 0.1–0.5% فقط، مما يعني أن 60–85% من ميزانيات الإعلان الصغيرة تذهب دون تحقيق مبيعات حقيقية لغياب الاستهداف الصحيح."
يشير حمد الراكان، مستشار تسويق وتطوير أعمال، إلى أهمية التغليف البصري قائلاً: "المشكلة الكبرى لا تكمن في جودة المنتج المحلي، بل في كيفية تقديمه. تشير التقديرات إلى أن 35% من الأسر يفتقرون لمهارات التصوير التجاري و40% يفتقرون لمهارات كتابة المحتوى، وهذا الضعف يقلل القيمة المدركة لمنتجاتهم ويجعل المستهلك يفضل منتجاً أقل جودة لكنه مسوَّق رقمياً ببراعة."
تكشف هياثم الجوادي، مدربة حلويات وحرف يدوية، عن واقع ميداني تعيشه قائلة: "ألاحظ في ورش العمل أن المتدربات يشعرن بضغط هائل لتغيير الوصفات الأصيلة للحلويات المدينية، مثل المعمول والنعناع، لتتناسب مع هبّات تيك توك الغربية. هذا التوجه يهدد بطمس هويتنا الغذائية لصالح ترندات استهلاكية مؤقتة تفتقر للأصالة." ويمثل عبدالعزيز العيسى، الحرفي المتخصص في الخرازة والليف، الصوت المحافظ: "الحرفة اليدوية ليست مجرد سلعة تُعرض في متجر إلكتروني، إنها قصة وتاريخ وروح تُنقل من يدي إلى يد المشتري."
ينقل علي سويلم الجهني خلاصة تجربته: "ابدأ وتوكّل على الله، فالنجاح غير مضمون؛ قد تنجح وقد لا تنجح، خسرت سابقاً في مشروع آخر، لكنني واصلت. التجارة ربح أو خسارة، وكلها بتوفيق من الله." كلمات تكشف أن وراء كل بسطة صغيرة قصة صبر طويلة، وأن الرزق في نظر أصحابها ليس مجرد مكسب يومي، بل معركة كرامة وأمل لا تنتهي.
يضع الدكتور حسام بن سالم الحربي، مدير مركز الابتكار وريادة الأعمال، يده على الجرح موضحاً: "الابتكار ليس مقتصراً على التكنولوجيا المعقدة، بل يشمل طريقة تقديم الخدمة والتسعير والوصول للعميل. التحدي الحقيقي للأسر المنتجة هو ابتكار نماذج عمل قابلة للتوسع، كتحويل بيع المنتجات الفردية إلى نظام اشتراكات شهرية، أو دمج تجربة ثقافية مع المنتج." وتؤكد الأستاذة مساعدة الجهني، المختصة في ريادة الأعمال: "الحل يكمن في بناء برامج احتضان متخصصة تأخذ بيد الأسرة المنتجة من مرحلة الفكرة إلى مرحلة النضج الرقمي."
حقيقة لا يمكن تجاهلها: التكنولوجيا والتحول الرقمي قوة كاسحة لا تعترف بالحدود، وتأخر الأسر المنتجة عن مواكبة هذه الأدوات يهدد بقاء جزء أصيل من هويتنا الاقتصادية والتراثية. التوازن المنشود يتطلب دمج التقنيات الذكية مع أصالة وتاريخ المنتج المحلي كحل مستدام. يبدو جلياً أن التراث المديني يمتلك قوة جاذبة قادرة على المنافسة إذا ما وُضع في القوالب الرقمية الصحيحة، فالتحدي المستقبلي لا يكمن في حلول مؤقتة، بل في مأسسة قطاع الأسر المنتجة وتحويله إلى منظومة ريادية تحمي المنتج من التهميش وتضمن وصوله للمستهلك بكرامة.


